ابراهيم الأبياري
194
الموسوعة القرآنية
وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ، فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين . وقال في آية أخرى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا فهذا حصر آخر في غيرهما . ومعنى الآية الأولى : ( وما منع الناس أو يؤمنوا إلا ) إرادة أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ من الخسف أو غيره أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا في الآخرة ، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين . ولا شك أن إرادة اللَّه مانعة من وقوع ما ينافي المراد ، فهذا حصر في السبب الحقيقي ، لأن اللَّه هو المانع في الحقيقة . ومعنى الآية الثانية : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إلا استغراب بعثه بشرا رسولا ، لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك ، وهو يدل على الاستغراب بالالتزام ، وهو المناسب للمانعية ، واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا ، لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة اللَّه تعالى ، فهذا حصر في المانع العادي ، والأول حصر في المانع الحقيقي فلا تنافى أيضا . ومما استشكل أيضا قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ مع قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ، إلى غير ذلك من الآيات . ووجهه أن المراد بالاستفهام هنا النفي ، والمعنى : لا أحد أظلم ، فيكون خبرا ، وإذا كان خبرا ، وأخذت الآيات على ظواهرها ، أدّى إلى التناقض . وأجيب بأوجه : منها : تخصيص كل موضع بمعنى صلته ، أي لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد اللَّه ، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللَّه كذبا ، وإذا تخصص بالصلات فيها زال التناقض . ومنها : أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما يسبق أحد إلى مثله ، حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم ، وهذا يؤول معناه إلى ما قبله ، لأن المراد السبق إلى المانعية والافترائية .